نصر حامد أبو زيد
89
الاتجاه العقلي في التفسير
أيضا على مستوى التركيب . فثمّ معان في النفس . وثمّ عبارات تدلّ عليها . وإذا كان الأشاعرة قد وحّدوا بين الدلالة والمدلول فقد فصل المعتزلة بينهما . وعلى مستوى الكلام الإلهي امتنع المعتزلة عن استخدام عبارة « المعاني النفسية » واستخدموا بدلا منها كلمة « القصد » . وكما أن التسمية تحسن للاخبار عن الشيء ، فكذلك العبارة « تنبئ » أو « تخبر » عن قصد المتكلم . ولا يكفّ القاضي عبد الجبار في حديثه عن الدلالة اللغوية ، من ادخال الخبر فيها حتى ينتهي به الأمر إلى التوحيد بينهما . فلا يكفي في الخبر - لكي يكون خبرا - الصيغة اللغوية المعروفة بالجملة الخبرية ، ولا تكفي المواضعة السابقة ، بل لا بدّ من اعتبار إرادة المتكلم للاخبار وقصده إليه « اعلم أنه لا يكفي في كونه خبرا صيغة القول ونظامه ، ولا المواضعة المتقدمة ، بل لا بدّ من أن يكون المتكلم مريدا للاخبار به عما هو خبر عنه ، لأن جميع ما قدمناه ، قد يحصل ولا يكون خبرا ، إذا لم يكن مريدا لما قلناه . ومتى حصل مريدا صار خبرا ، فيجب أن يكون لأجله يكون خبرا ، وإن كان لا بدّ من تقدم المواضعة ، أو ما يجري مجراها ، كما لا بدّ من ظهور القول وكما لا بدّ من وقوعه من قبل المريد ، وكل ذلك شروط مصححة لكونه خبرا » 165 . ويؤكّد القاضي هذه الفكرة مرة أخرى ، ولكن على مستوى الكلام الإلهي ، حيث يوحّد - أيضا - بين الكلام والخبر . وهو هنا يشترط معرفة حال « المخبر » من أنه لا يكذب ولا يختار القبيح ، وذلك حتى نعلم صدقه في خبره « لأن الخبر إذا جاز ، والصنعة واحدة ، أن يقع كذبا ، فيجب أن يعلم من حال فاعله أنه ممن لا يفعل الكذب ، حتى يكون دلالة . لأن هذا الخبر نفسه قد يجوز كونه خبرا عن المخبر الذي إذا كان خبرا عنه كان كذبا ، وعن المخبر الذي إذا كان خبرا عنه كان صدقا ، فلا بدّ من أمر به يعلم أنه بأن يكون صدقا أولى من أن يكون كذبا ، وهو أن يعلم من حال فاعله أنه لا يختار الكذب » 166 . ولا يكتفي القاضي بهذا التوحيد بين الخبر والدلالة اللغوية ، بل إنه يوحّد بين كل الصيغ التعبيرية في اللغة كالأمر والنهي والطلب والاستفهام والتعجب ، والنداء ، ويعتبر « الخبر » هو أصل كل هذه الصيغ « اعلم أن الخبر هو الأصل في الكلام المفيد ، لأن الفوائد الواقعة بالكلام أجمع لا بدّ من أن تكون راجعة إلى الخبر أو إلى معناه . لكنه ربما تتأوّل الفائدة بصريح لفظه فيكون خبرا ، وربما أفاد من جهة المعنى فلا يسمى خبرا ، والفائدة لا تختلف . يبين ذلك أن الأمر يحل محلّ قوله ( أريد منك أن تفعل ) والنهي يحلّ محلّ قوله ( أكره أن تفعل ) . وإذا استخبر غيره